احمد ياسوف
32
جماليات المفردة القرآنية
للجمال السمعي . ولا ريب في أن كلا الطرفين : الصوت والمعنى في تلازم دائم ، وأن التعلّق بالصوت مرحلة أوّلية يجب أن تجتاز ، وفي هذا يقول جيروم ستولينتز : « إن الكلمة ليست مجرد شكل على الورق ، أو صوتا نسمعه إذا كانت منطوقة ، وإنما هي لا تكون كذلك إلا بالنسبة إلى الطفل الصغير ، أو شخص لا يعرف اللغة ، . . . ولكن على الرغم من ذلك يظلّ التمييز قائما بين اللون والصوت الذي لا يقدّم للوعي إلا ذاته ، وبين الكلمة التي يكون معناها أكثر من مجرد المظهر الذي تتخذه للإحساس » « 1 » . وقد يكون من هذا الباب كره ابن سنان وابن الأثير لطوال الكلمات في الشعر واستحبابها في القرآن ، والقضية لم تكن في الطول بقدر ما تكون في التشكيل الصوتي ومادّته ونغمته . أما أن الصوت لا يقدّم للوعي إلا ذاته ، كما يقول ستولينتز ، فهذا لا ينطبق على كلمات القرآن ، فهي وعاء للمعنى في البعد الأول ، حسب الوضع الاجتماعي ، وهو يواكب المعنى في تصوير المطلوب من الأشياء في عملية محاكاة للحدث ، فله أحيانا وظيفتان . ولا بأس أن نستشهد بآية قرآنية ، وندع ما قاله الدارسون إلى مكانه من البحث ، إذ يقول تعالى عن سليمان عليه الصلاة والسلام : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً « 2 » ، ففي كلمة « رخاء » جزئيات الحركة المعنيّة ، وتصوير للحدث ، وذلك بعيدا عن المعنى ، فالصوت هو الذي يوحي الآن ، ويرسم الحركة في عملية نطق تحاكي الحدث ، فإنّ الضمة على الراء تعني انضمام الشفتين على حرف ليس من حروف اللّين ، واستدارة الشفتين تتطلب جهدا ، وفي هذا قوّة الريح ، ثم يأتي الانتقال من الضمّ إلى الفتح على حرف حلقي ليدعو إلى تصوّر بدء سهولة ، وتكثر السهولة في مدّ الألف ، فليس هناك انقباض ولا انكماش ، بل تدرّج من الصّعب إلى السهل ، مما يمثّل طواعية الريح للنبي
--> ( 1 ) ستولينتز ، جيروم ، 1974 - النقد الفني : دراسة جمالية وفلسفية ، ط / 2 ، تر : د . فؤاد زكريا ، مطبعة جامعة عين شمس ، ص / 84 . ( 2 ) سورة ص ، الآية : 36 .